الخطيب الشربيني

154

مغني المحتاج

، واختاره الأسنوي . وقضية كلام المتولي خلافه ، واختاره السبكي . والأول أنسب بقاعدة الباب من أنه لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل ، وهو أنسب من قول الولي العراقي من أنه لو فصل بين أن يتكرر ذلك منه ثلاث مرات فأكثر وبين أن يوجد منه مرة أو مرتين لم يبعد . ( ويباع مسكنه وخادمه ) ومركوبه ( في الأصح ) المنصوص ، ( وإن احتاج إلى خادم ) ومركوب ( لزمانته ومنصبه ) لأن تحصيلهما بالكراء يسهل ، فإن تعذر فعلى المسلمين . والثاني : يبقيان للمحتاج إذا كانا لائقين به دون النفيسين . وهو مخرج من نصه في الكفارات أيضا . وفرق الأول بأن حقوق الآدميين أضيق ولا بد لها . وتباع البسط والفرش ، ويسامح في حصير ولبد قليلي القيمة . ( ويترك له دست ثوب يليق به ) حال فلسه كما قاله الامام إن كان في ماله ، وإلا اشتري له لأن الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى النفقة . فلو كان يلبس قبل الافلاس فوق ما يليق بمثله رد إلى اللائق أو دون اللائق تقتيرا لم يزد عليه . تنبيه : قال الأسنوي : الضمير في له عائد على لفظ من المذكور في النفقة ، وحينئذ فيدخل فيه نفسه وعياله ، ونقله الزركشي عن البغوي وغيره . ( وهو قميص وسراويل ) ومنديل ( وعمامة ومكعب ) أي مداس . ( ويزاد في الشتاء جبة ) محشوة أو ما في معناها كفروة ، لأنه يحتاج إلى ذلك ، ولا يؤجر غالبا . ويترك له أيضا طيلسان وخف ودراعة - بضم المهملة - يلبسها فوق القميص أو نحوها مما يليق إن لاق به ذلك لئلا يحصل الازدراء بمنصبه . وتزاد المرأة مقنعة - وغيرها مما يليق بها . وسكتوا عما يلبس على الرأس تحت العمامة ، قال الأسنوي : والذي يظهر إيجابه ، وذكر نحوه الأذرعي ، وهو ظاهر ، ويقال لما تحتها القلنسوة ، ومثلها تكة اللباس . تنبيه : قال العبادي : يترك للعالم كتبه ، وتبعه ابن الأستاذ ، وقال تفقها : يترك للجندي المرتزق خيله وسلاحه المحتاج إليهما ، بخلاف المتطوع بالجهاد فإن وفاء الدين أولى له إلا أن يتعين عليه الجهاد ولا يجد غيرها . أما المصحف فيباع ، قال السبكي : لأنه محفوظ فلا يحتاج إلى مراجعته ، ويسهل السؤال عن الغلط من الحفظة بخلاف كتب العلم . قال صاحب التهذيب في الفتاوى : ويبيع - أي القاضي - آلات حرفته إن كان مجنونا ، ومفهومه أنها لا تباع إن كان عاقلا ، والأصح كما في الأنوار خلافه . وقال ابن سريج : يترك له رأس مال يتجر فيه إن لم يحسن الكسب إلا به . قال الأذرعي : وأظن أن مراده اليسير كما قاله الدارمي ، أما الكثير فلا إلا برضاهم . ( ويترك له قوت يوم القسمة وسكناه كما في الوجيز ، ( لمن عليه نفقته ) لأنه موسر في أوله بخلاف ما بعده . قال في المهمات : والمراد اليوم بليلته كما صرح به البغوي في التهذيب ، ونقله المصنف في تعليقه على المهذب وارتضاه اه‍ . فإن قسم ليلا يلحق به اليوم الذي بعده قياسا على الليلة ، ويترك ما يجهز به من مات منهم ذلك اليوم أو قبله مقدما به على الغرماء . هذا كله إذا كان بعض ماله خاليا عن تعلق حق لمعين ، فإن تعلق بجميع ماله حق لمعين كالمرهون فلا ينفق عليه ولا على عياله منه . ( وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين ) لقوله تعالى : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) * ، أمر بانتظاره ولم يأمر باكتسابه ، ولقوله ( ص ) في خبر معاذ : ليس لكم إلا ذلك . ولا يلزمه ترك القصاص الواجب له بجناية عليه أو على غيره كرقيقه بالأرش ، لأنه في معنى الكسب . نعم إن وجب الدين بسبب عصى به كإتلاف مال الغير عمدا وجب عليه الاكتساب كما نقله الأسنوي عن ابن الصلاح ، ثم قال : وهو واضح لأن التوبة من ذلك واجبة ، وهي متوقفة في حقوق الآدميين على الرد ، بل نقل الغزالي في باب التوبة من الاحياء : أن من استطاع الحج ولم يحج حتى أفلس فعليه الخروج ، فإن لم يقدر مع الافلاس فعليه أن يكتسب من الحلال قدر الزاد ، فإن لم يقدر فعليه أن يسأل الناس ليصرف إليه من الزكاة أو الصدقة ما يحج به ، فإن مات قبل الحج مات عاصيا . فهذا أبلغ مما نقل عن ابن الصلاح ، فإن الحج من حقوق الله تعالى .